فخر الدين الرازي
394
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
يوجبان الضعف والكلال ، والنوم يفيد عود القوة والنشاط واشتداد القوة والقدرة ، وثالثها : أن الكفار لما اشتغلوا بقتل المسلمين ألقى اللّه النوم على عين من بقي منهم لئلا يشاهدوا قتل أعزتهم ، فيشتد الخوف والجبن في قلوبهم ، ورابعها : أن الأعداء كانوا في غاية الحرص على قتلهم ، فبقاؤهم في النوم مع السلامة في مثل تلك المعركة من أدل الدلائل على أن حفظ اللّه وعصمته معهم ، وذلك مما يزيل الخوف عن قلوبهم ويورثهم مزيد الوثوق بوعد اللّه تعالى ، ومن الناس من قال : ذكر النعاس في هذا الموضع كناية عن غاية الأمن ، وهذا ضعيف لأن صرف اللفظ عن الحقيقة إلى المجاز لا يجوز إلا عند قيام الدليل المعارض ، فكيف يجوز ترك حقيقة اللفظ مع اشتمالها على هذه الفوائد والحكم . المسألة الثانية : قرأ حمزة والكسائي تَغْشى بالتاء رداً إلى الأمنة ، والباقون بالياء رداً ، إلى النعاس ، وهو اختيار أبي حاتم وخلف وأبي عبيد . واعلم أن الأمنة والنعاس كل واحد منهما يدل على الآخر ، فلا جرم يحسن رد الكناية إلى أيهما شئت ، كقوله تعالى : إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعامُ الْأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ [ الدخان : 43 - 45 ] وتغلي ، إذا عرفت جوازهما فنقول : مما يقوي القراءة بالتاء أن الأصل الأمنة ، والنعاس بدل ، ورد الكناية إلى الأصل أحسن ، وأيضاً الأمنة هي المقصود ، وإذا حصلت الأمنة حصل النعاس لأنها سببه ، فان الخائف لا يكاد ينعس ، وأما من قرأ بالياء فحجته أن النعاس هو الغاشي ، فإن العرب يقولون غشينا النعاس ، وقلما يقولون غشيني من النعاس أمنة ، وأيضاً فإن النعاس مذكور بالغشيان في قوله : إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ [ الأنفال : 11 ] وأيضاً : النعاس يلي الفعل ، وهو أقرب في اللفظ إلى ذكر الغشيان من الأمنة فالتذكير أولى . ثم قال تعالى : وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ وفيه مسألتان . المسألة الأولى : هؤلاء هم المنافقون عبد اللّه بن أبي ومعتب بن قشير وأصحابهما ، كان همهم / خلاص أنفسهم ، يقال : همني الشيء أي كان من همي وقصدي ، قال أبو مسلم : من عادة العرب أن يقولوا لمن خاف ، قد أهمته نفسه ، فهؤلاء المنافقون لشدة خوفهم من القتل طار النوم عنهم ، وقيل المؤمنون ، كان همهم النبي صلى اللّه عليه وسلم وإخوانهم من المؤمنين ، والمنافقون كان همهم أنفسهم وتحقيق القول فيه : أن الإنسان إذا اشتد اشتغاله بالشيء واستغراقه فيه ، صار غافلا عما سواه ، فلما كان أحب الأشياء إلى الإنسان نفسه ، فعند الخوف على النفس يصير ذاهلا عن كل ما سواها ، فهذا هو المراد من قوله : أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ وذلك لأن أسباب الخوف وهي قصد الأعداء كانت حاصلة والدافع لذلك وهو الوثوق بوعد اللّه ووعد رسوله ما كان معتبراً عندهم ، لأنهم كانوا مكذبين بالرسول في قلوبهم ، فلا جرم عظم الخوف في قلوبهم . المسألة الثانية : « طائفة » رفع بالابتداء وخبره « يظنون » وقيل خبره « أهمتهم أنفسهم » ثم إنه تعالى وصف هذه الطائفة بأنواع من الصفات . الصفة الأولى : من صفاتهم قوله تعالى : يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ وفيه مسائل : المسألة الأولى : في هذا الظن احتمالان : أحدهما : وهو الأظهر : هو أن ذلك الظن أنهم كانوا يقولون في أنفسهم لو كان محمد محقا في دعواه لما سلط الكفار عليه وهذا ظن فاسد ، أما على قول أهل السنة والجماعة ، فلأنه سبحانه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا اعتراض لأحد عليه ، فان النبوة خلعة من اللّه سبحانه يشرف عبده بها ، وليس يجب في العقل أن المولى إذا شرف عبده بخلعة أن يشرفه بخلعة أخرى ، بل له الأمر والنهي كيف